24.01.2023
285

أثر العولمة على القيم والأخلاق

د. محمد أمين على محمد عيسى

مدرس العقيدة والفلسفة

جامعة نور مبارك كازاخستان- سابقاً

القاهرة

 

الحمد لله رب العالمين حمدا لا يبلغ العدّ منتهاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا رب لنا سواه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد ورسوله ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى أهل بيته، وعلى كل من اهتدى بهديه ونهج نهجه إلى يوم أن نلقاه.

ثم أما بعد...

فإن المتابع للتطورات التكنولوجية وما صار إليه العالم من كونه أصبح كالقرية الواحدة بحيث صار المرء في أي مكان من العالم عنده القدرة على متابعة ما يجري في أي مكان من نفس العالم في أي وقت، وهو ما يعرف الآن باسم العولمة Globalisation، والمقصود بها:  المفهوم الفكري الذي يضفي الطابع العالمي أو الدولي أو الكوني على النشاط البشري([1]). 

وقد أخذت العولمة عدة مظاهر، ولم تقف عند مظهر واحد، كان من أول هذه المظاهر: المظهر الاقتصادي الذي كان العامل الأساس في ظهور العولمة تبعا للثورة الصناعية في القرن السابع عشر وزيادة معدلات التجارة العالمية، وظهور الشركات متعددة الجنسيات([2]).

ثم تلى هذا المظهر مظهر آخر وهو المظهر الإعلامي الذي كان ضروريا للمظهر الاقتصادي حيث صار الإعلام جزءً لا يتجزأ من المظهر الاقتصادي لأن ترويج السلع الاقتصادية عامل مهم في زيادة الدخل([3]).

والمظهر الثالث هو المظهر الاجتماعي والثقافي وهو أخطر هذه المظاهر لاتصاله اتصالا مباشرا بالقيم والأخلاق([4]) وتغيير الأنماط السلوكية للمجتمعات نتيجة للتأثير والتأثر الناتج عن احتكاك المجتمعات ببعضها عن طريق وسائل الاتصال الحديثة دون الحاجة إلى الانتقال إلى المجتمع نفسه والحياة فيه، وهذا أخطر ما في العولمة من وجهة نظر الباحث، وهذا هو موضوع البحث.

مظاهر تأثير العولمة على القيم والأخلاق.

تتسم القيم والأخلاق بالثبات ومقاومة التغيير السريع، خاصة إذا كانت هذه القيم مستمدة من عقيدة صحيحة، لكن المتابع لسلم القيم والأخلاق في مجتمعه يرى أن سلم القيم قد تبدل وأن الأخلاق مهددة، وقد لاحظ الباحث بعض التغيرات التي تتصل بالقيم والأخلاق كنتاج لمرحلة العولمة بما لا يتفق وتعاليم الإسلام الحنيف، فأراد أن يوجه أنظار المسلمين إليها ليكونوا على بينة من أمرهم.

المظهر الأول: انتشار الكبر بين الناس.

وجد إنسان العصر الحديث نفسه فجأة يتحكم في كل شيء تحت يده بضغطة زر، وقد انعكس ذلك على علاقته بالكون حين ظن أنه تحكم في العالم كله ومفردات الحياة، حتى انسحب هذا الشعور على علاقته بالله تعالى، حيث ظن الإنسان أنه قد استقل بالكون، وأنه لم يعد في حاجة إلى إله، وهذا كله مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى) [سورة العلق، 6، 7] وهل هناك استغناء بعد الاستغناء بالعلم وأدواته التي ملكها إنسان هذا الزمان، وهي التي عبر عنها الإمام الرازي في تفسير هذه الآية بـ [القدرة] حيث عدد أسباب الطغيان فقال: (حب الدنيا والاشتغال بالمال والجاه والثروة والقدرة فإنه لا سبب لعمى القلب في الحقيقة إلا ذلك) ([5])                                   

وقد انعكس هذا بالضرورة على عقيدة البعض في الإله سبحانه وتعالى، فانتشر الإلحاد بين الشباب لشعوره بالاستغناء بالعلم عن الإله، وهذا أخطر ما في العولمة.

المظهر الثاني: الاعتداد بالرأي.

من الآثار السلبية للعولمة على القيم والأخلاق غياب التواضع عن كثير من الناس وتفشي ظاهرة الاعتداد بالرأي حيث صار كل واحد يثق في نفسه أكثر مما تستحق ويراها فوق الخطأ ومن هنا صار الاعتداد بالرأي ظاهرة متفشية بين الناس، وهذا مخالف لتوجيهات الإسلام ودعوته إلى التواضع حيث قال صلى الله عليه وسلم (ما نقص مال من صدقة وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد إلا رفعه الله) ([6]) فانتشار هذه الأخلاق المذمومة تحيل المجتمع إلى مجموعة من المتكبرين.

المظهر الثالث: الاستهانة بالعلم ومكانته.

طلب العلم من أشرف ما يقوم به الإنسان، خاصة العلم الشرعي الذي به يصحح الإنسان علاقته بربه وعلاقته بالكون وبالآخرين، وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم فريضة على المسلمين قال صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ([7]).

ولطلب العلم آداب ذكرها العلماء في مؤلفات أفردوها لهذا الأمر؛ كرسالة العالم والمتعلم للإمام أبي حنيفة -رحمه الله- مع شرحها للشيخ الإمام أبو بكر ابن فورك([8]) رحمه الله-، و: تذكرة السامع والمتكلم آداب العالم والمتعلم لبدر الدين ابن جماعة([9]) رحمه الله.

والعلم يقوم على ملازمة الطالب لشيوخه وجلوسه بين أيديهم، يسمع منهم ويسأل عما عنّ له حتى يزيل ما التبس عليه من مسائل العلم، ولن يستفيد الطالب من شيخه إلا بطول الملازمة والجلوس بين يديه.

أما في عصرنا فقد أساء إلى العلم بعض المنتسبين إلى العلم عندما عقدوا دورات في شتى فروع العلم تستغرق أياما معدودة، فالنحو في أسبوع، والفقه في ثلاثة أيام، والعقيدة في يوم، والفرائض في يومين، وأمثال هذه الإعلانات التي شاهدناها جميعا على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد أغرت مثل هذه الدورات كثيرا من الشباب الراغبين في تعلم العلم الشرعي في الانتساب إليها ظنا منهم أنهم بمجرد الانتهاء منها سيصير الواحد منهم عالما في الفن الذي تعلمه، وتلك لعمري أم المضحكات؛ فشر البلية ما يضحك.

لقد جرأت هذه الدروات التي تعقد أون لاين، وليس معنى هذا أنها لا تعقد بالحضور الشخصي لكن الانترنت قد ساعد على انتشار مثل هذه الدورات التي ينخدع بها شباب المسلمين الذين يعيشون عصر التيك أواي فظنوا أن العلم ينطبق عليه ما ينطبق على غيره، ولو علموا أن علماء الأزهر الشريف كان الواحد منهم يدرس أكثر من عشر سنوات ثم يعقد له اختبار من كبار العلماء ليُجاز في العلم أو ليرد مرة أخرى حتى يستعد، كل ذلك مع ملازمة تامة للعلماء والمشايخ يتعلم منهم آداب طالب العلم وأخلاق العلماء، أقول: لو علم هؤلاء كيف كان العلماء يتعلمون ويتخرجون لعلموا أن من يروجون لهذه الدورات قد كذبوا عليهم وضللوهم.

المظهر الرابع: انتشار خيانة المجالس.

من آداب الإسلام التي دعا إليها نبينا صلى الله عليه وسلم وحض المسلمين عليها: احترام أسرار المجالس واعتبار ما يقال فيها أمانة لا يجوز لأحد أن يحكيها بدون إذن الجالسين وإلا كان ذلك خيانة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما يجالس المتجالسون بأمانة الله فلا يحل لأحدهما أن يفشي عن صاحبه ما يكره) ([10]).

ومما يعد من قبيل المجالس في هذه الأيام ويأخذ نفس حكم المجالس: مكالمات الهاتف المحمول، ومحادثات وسائل التواصل الاجتماعي ؛ كالماسنجر والواتس أب، والتليجرام، وغير ذلك من وسائل التواصل التي تتيح خاصية السرية حيث يكون الحديث فيها بين فردين أو أكثر، فلا يحق لأحد الطرفين أو الأطراف المشاركين في تلك المحادثات أن ينشر هذه المحادثات، أو يسجل تلك المكالمات دون معرفة أو إذن الطرف أو الطراف الأخرى.

وختاما أقول: لكل اختراع إيجابياته وسلبياته، والمعوّل عليه في الاستفادة من المميزات واجتناب السلبيات إنما هو دين المستخدم لها وأخلاقه؛ فإن كان المستعمل لهذه الاختراعات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي ديِّنًا خلوقًا فإنه لاشك سيراعي حق الله تعالى فيها، فلا يستعملها إلا فيما ينفع، أما إذا كان بلا أخلاق حتى ولو كان منسوبا إلى أهل العلم فإنه سيستعملها في تضليل الناس وخداعهم؛ لجني مال، أو كسب شهرة، أو أي غرض غير نبيل.

الخاتمة:

من خلال ما سبق عرضه من سلبيات للعولمة على الأخلاق يتضح لنا مدى عظمة الإسلام وأهمية تعاليمه التي تتسم بالاعتدال والوسطية، وأن كلا طرفي الأمر مذموم فلا إفراط ولا تفريط، وأن المسلم يأخذ من كل شيء في الحياة أحلى ما فيه وأنفعه، ويترك ما فيه من ضرر وسوء:

كالكبر والاعتداد بالرأي الناتج عن رؤية الأنا.

وعدم الجري وراء كل دعوى أو دعوة تظهر هنا أو هناك إلا بعد معرفة تاريخ المجال الذي يتعلق بهذه الدعوى وهل منهج أهل هذا الفن أو العلم في تلقيه كما يقول هؤلاء.

وأن المحادثات التي تدور في الأجهزة الحديثة أمانة سيُسأل عنها العبد يوم القيامة.

والله تعالى من وراء القصد وهو مولانا ونعم النصير.

 

المصادر والمراجع:

القرآن الكريم

الرازي، فخر الدين محمد، التفسير الكبير، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1401هـ، 1981م.

مسلم بن الحجاج، الصحيح.

ابن ماجة القزويني، سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي.

عبد الرزاق الصنعاني، مصنف عبد الرزاق، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية، المكتب الإسلامي، بيروت، 1403هـ.

تركي صقر، الإعلام العربي وتحديات العولمة، وزارة الثقافة، دمشق، 1989.

سعيد محمد عثمان، العولمة السياسية، مؤسسة شباب الجامعة، اسكندرية، 2007م، ص: 35..

آسيا لعساس، العولمة في المفهوم والمظاهر والآثار.

ابن فورك، أبو بكر محمد بن الحسن، شرح العالم والمتعلم، تحقيق د. أحمد السايح، توفيق وهبة، الطبعة الأولى، مكتبة الثقافة الدينية، 1430 هـ، 2009م.

ابن جماعة، بدر الدين محمد بن إبراهيم، تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، تحقيق: محمد مهدي العجمي، الطبعة الثالثة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1433هـ، 2012م.

 

 


 

[1] تركي صقر، الإعلام العربي وتحديات العولمة، وزارة الثقافة، دمشق، 1989م، ص: 178.

 

[2] سعيد محمد عثمان، العولمة السياسية، مؤسسة شباب الجامعة، اسكندرية، 2007م، ص: 35..

 

[3] المصدر نفسه، ص: 36.

 

[4] آسيا لعساس، العولمة في المفهوم والمظاهر والآثار، ص: 88..

 

[5] الرازي، فخر الدين محمد، التفسير الكبير، 16/18، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1401هـ، 1981م.

 

[6] أخرجه الإمام مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، حديث رقم 2588.

 

[7] أخرجه ابن ماجة في سننه، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، حديث رقم: 224، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي.

 

[8] ابن فورك، أبو بكر محمد بن الحسن، شرح العالم والمتعلم، تحقيق د. أحمد السايح، توفيق وهبة، الطبعة الأولى، مكتبة الثقافة الدينية، 1430 هـ، 2009م.

 

[9] ابن جماعة، بدر الدين محمد بن إبراهيم، تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، تحقيق: محمد مهدي العجمي، الطبعة الثالثة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1433هـ، 2012م.

 

[10] أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، حديث رقم: 19791، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية، المكتب الإسلامي، بيروت، 1403هـ.

 

معلومات إضافية

المنهج الماتريدي وتحصين الشّباب من التغرُّب
د. محمد جنيد بن محمد نوري الديرشويأستاذ مشارك في تخصّص الفقه الإسلامي وأصولهأكاديمية بلغار الإسلامية، تتارستان- روسيا الاتحادية بسم الله...
منهج الإمام الماتريدي في آيات الصفات من خلال تفسيره
الدكتور سيف بن علي العصريأستاذ علم الكلام والفقه والقضايا المعاصرة في أكاديمية بلغار الإسلامية الحمد لله المنفرد بالكمالات، المتصف بجميل...
إسهامات الماتريدية في الفقه من خلال دراسة المنهج الفقهي للإمام أبي منصور الماتريدي في تفسيره “تأويلات أهل السنة”
مصطفى محمود كلية دار العلوم بجامعة المنيا بجمهورية مصر العربيةإسهامات الماتريدية في الفقه من خلال دراسة المنهج الفقهي للإمام أبي...

ترك التعليق

ملاحظات

التواصل الاجتماعي

اتصال

هاتف:
بريد إلكتروني:
العنوان:
©2024 All Rights Reserved. This template is made with by Cherry