17.01.2023
179

ملامح التَّفكر البلاغي عند الإمام الماتريدي (ت: 333 هـ) في تفسيره “تأويلات أهل السُّنة”

د. سعد محمد عبد الغـفار يوسف

أستاذ البلاغة والنقد الأدبي المشارك

كلية الآداب – جامعة الوادي الجديد (مصر) 

مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه، وبعد.

فقد توافرَ المفسِّرون - على اختلاف مناهجهم، واتجاهاتهم- على تفسير كتاب الله تعالى، جيلًا بعد جيل، وهم شاخصون في تفاسيرهم جميعًا إلى بيان بعض دلائل إعجازه البلاغي؛ بوصفه حُجَّةً على أنَّ العرب لم يكن في مُكنَتهم ولا مقدورهم الإتيان بمثله، وهم مَن هم بلاغةً وبيانًا!. وهم (= المفسرون) متفاوتون من حيث الإكثار، والإقلال في تناول بلاغة النَّص القرآني.

ويُعدُّ الإمام أبو منصور الماتُريدي (ت:333ه) أحد المفسرين الذين اعتنوا – على غير المشهور عنه- ببلاغة القرآن، لا من جهةِ الكشف عن وجوه إعجازه البياني على نحو ما فعل الإعجازيون، أمثال: الرُّمَّاني (ت: 386ه)، والباقلاني (ت: 384ه)، وعبد القاهر الجرجاني (ت: 471ه)، أمثالهم، وإنَّما من جهة كونها (= البلاغة) أداة من أدوات فهم المعنى القرآني، ووسيلة من وسائل ترسيخ العقيدة الصَّحيحة، وهو ما سوف نعرض له في هذا البحث، إنْ شاء الله تعالى.

- أسئلة البحث:

يُثير هذا البحث طائفة من الأسئلة، أهمها:

1- ما هي أهم ملامح التفكير البلاغي لدى الإمام أبي منصور الماتُريدي في تفسيره 

 “تأويلات أهل السُّنَّة” ؟

2- لماذا كان الإمام الماتريدي مُقِلًا في الاعتماد على مباحث البلاغة في تفسيره ؟

3- ما هو منهج الإمام الماتريدي في توظيف مباحث البلاغة في تأويل الآيات  القرآنية؟

4- هل أثَّرَ المذهب السُّني للإمام الماتريدي على استئناسه بمباحث علم البيان خاصَّة.

- أهداف البحث:

وفقًا لهذه الأسئلة التي يثيرها البحث، فإنَّ عنايته سوف تكون منصرفة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف لا تنفصل عن الإجابة عن هذه الأسئلة، أهمها:

1- بيان أهم ملامح التفكير البلاغي لدى الإمام الماتريدي في تفسيره.

2- محاولة الوقوف على أسباب إقلال الإمام الماتريدي من الاعتماد على مباحث البلاغة.

3- بيان منهج الإمام الماتريدي في توظيف مباحث علم البيان في تأويل الآيات القرآنية.

4- بيان أثر المذهب السُّني للإمام الماتريدي على استئناسه ببعض مباحث علم البيان.

- منهجيَّة البحث:

اعتمد البحث على المنهج الاستقرائي التحليلي الذي يعتمد على استقراء النِّكات البلاغيَّة في تفسير الإمام الماتريدي من خلال المعالجة التحليلية التي قدَّمها في تفسيره “ تأويلات أهل السنة”؛ بقصد استنباط ملامح تفكيره البلاغي، ومنهجه في توظيف المباحث البلاغية في بيان المعنى القرآني. وقد اقتصرنا -هاهنا- على بيان توظيفه للمجاز والكناية؛ بوصفهما أكثر مباحث علم البيان دورانًا في تفسيره.

- هيكل البحث:

جاء البحث في: مقدمة، وتمهيد، ومبحثين، على النَّحو الأتي:

- تمهيد: الإمام الماتريدي، نشأته، وتعليمه، وآثاره العلمية.

- المبحث الأول: منهج الإمام الماتريدي في توظيف المجاز في تفسيره.

- المبحث الثاني: منهج الإمام الماتريدي في توظيف الكناية في تفسيره.

 

تمهيد

الإمام الماتريدي، نشأته، وتعليمه، وآثاره العلمية

 

1- مولده ونشأته:

وُلِدَ الإمام أبي منصور، محمد بن محمد بن محمود بن محمد، الماتُريدي، السَّمرقندي، الحنفي، في العقد الرابع من القرن الثالث الهجري – كما يرى الدكتور مجدي باسوم([1]) - ببلدة بماتُريد، وهي من أعمال سمرقند ببلاد ما وراء النَّهر. وتوفي -رحمه الله- عام  333 هـ. 

2- شيوخه وتلاميذه:

- شيوخه:

أخذ أبو منصور الماتُريدي العلمَ عن جماعة من كبار شيوخ عصره، أشهرهم: أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني، وأبو نصر أحمد بن العياضي، ونصير بن يحيى، محمد بن مقاتل الرازي، قاضي الري([2]).

- تلاميذه:

تتلمذ على أبي منصور الماتُريدي مجموعةٌ كبيرة من العلماء من أشهرهم: أبو القاسم الحكيم السمرقندي وإسحاق بن محمد بن إسماعيل، وأبو الحسن علي بن سعيد الرستغفني، وأبو محمد عبد الكريم البزدوي، وأبو أحمد العياضي بن أبي نصر شيخ الماتريدي، وأبو عبد الرحمن بن أبي الليث البخاري، وغيرهم([3]).

3- آثاره العلمية:

للإمام الماتريدي مجموعة كبيرة من المصنفات، أهمها:

- كتاب التوحيد، ويعرف باسم كتاب التوحيد وإثبات الصفات.

- كتاب المقالات.

- الرد على أصول القرامطة.

- رد الأصول الخمسة لأبي محمد الباهلي.

- رد أوائل الأدلة للكعبي، ويعرف باسم كتاب رد أهل الأدلة.

- كتاب الجدل.

- مآخذ الشرائع.

- رسالة فيما لا يجوز الوقف عليه في القرآن.

- تأويلات القرآن، ويعرف باسم “تأويلات أهل السنة”.

4- منهجه:

سار الإمام أبو منصور الماتريدي على منهج الإمام أبي حنيفة (ت: 150هـ) في العقيدة، وعلم الكلام، والفقه وأصوله، والتاريخ. فهو يوافق السَّلفَ في سائر منهجه، في التفسير، والفقه، والاعتقاد، وتوقيف الأسماء... إلخ، أصيلًا في فكره، ومنهجه، يذمُّ التقليد، ولا يرى له مسوغًا.

 

(المبحث الأول)

 منهج الإمام الماتريدي في توظيف المجاز  في تفسيره

لا غنى لمفسِّري كتاب الله عن الإلمام بعلوم البلاغة (المعاني، البيان، البديع) بوصفها أدواتهم في الوقوف على بعض دلائل إعجازه البياني؛ وهو ما لا يُدرَك إلَّا بهذه العلوم([4]). يقول الإمام السَّكاكي (ت:626ه) في ذلك: “ ... ومُدرِك الإعجاز عندي هو الذَّوقُ ليس إلَّا، وطريق اكتساب الذَّوق طول خدمة هذين العِلمين (المعاني والبيان)، نعم للبلاغة وجوهٌ متلثِّمةٌ ربَّما تيسرتْ إماطةُ اللِّثام عنها لتجلى عليك، أمَّا نفس وجه الإعجاز فلا([5])”.

وقد اجتهدتْ طائفةٌ من مفسِّري كتاب الله تعالى في الوقوف على «ما أبدعه القرآن من أفانين التَّصرف في نَظْمِ الكلام مِمَّا لم يكن معهودًا في أساليب العرب، ولكنَّه غير خارج عمَّا تسمحُ به اللُّغة ([6])»، فأكثرَ بعضُهم من هذه الجهة، حتَّى غلبَ على تفسيره الطابع البلاغي، على نحو ما نجده عند الإمام جار الله الزمخشري (ت:538ه) في تفسيره (الكشاف)، وأقلَّ بعضُهم الآخرُ من العرض للقضايا البلاغية، كما هو الأمر في “ تأويلات أهل السُّنة” للإمام أبي منصور الماتُريدي؛ حيث لم يكن مُولعًا في تفسيره “تأويلات أهل السُّنة” بالإكثار من ذِكر النِّكات البلاغيَّة؛ حيث تعامل مع مسائل البلاغة برشدٍ واقتصادٍ شديدَيْن، فقد  كان “ مُقِلًّا من الاتكاء على مباحث البلاغة ([7])”، لا يذكر منها شيئًا ما لم يكن يخدم المعنى الآخذ في تفسيره، فالنكتةُ البلاغية موظَّفة لديه؛ لتحقيق غرض بعينه، ولعلَّه كان شاخصًا في تفسيره إلى العناية بمسائل العقيدة، والفقه أكثر من عنايته بمسائل اللُّغة والبلاغة، بوصفه إمام متكلمي أهل السُّنة في عصره ([8])!.

وقد أَعمَلَ الإمامُ الماتريدي العقلَ في تأويل كثير من آي النَّص القرآني؛ موسٍّعًا بذلك مفهوم التَّقيد بالنَّص لدى أهل السُّنة، وهو توسُّعٌ يخدم في كثير من مواضعه مسائل العقيدة التي استحوذتْ على النصيب الأوفر في تصنيفاتهم.

وإذا تتبعنا المواضع التي حَمَلَ فيها الإمام الماتريدي المعنى في الآي القرآني على المجاز، سوف نجدها لا تخالف مذهبه السُّني، بل تخدمه؛ لكونها جاءت في أغلبها موافقة لعقيدة أهل السُّنة في التوحيد، والخلق... إلخ، ومن ذلك تأويله (الخلق) على المجاز في قوله تعالى على لسان عيسى، عليه السَّلام: وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (آل عمران :49)،  ألا ترى أنَّه قال في آخره: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (آل عمران: 50)، وليس إلى الخلق تحليل شيء أو تحريمه، إنَّما ذلك إلى الله، عَزَّ وَجَلَّ، فمعناه: أني أُظهِرُ لكم حِلَّ بعضِ ما حُرِّمَ عليكم؛

ومثله كذلك تأويله لفظ (الآلهة) على المجاز قول الله تعالى: الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (الحجر: 96)، يقول: “وهو على المجاز، كقوله: فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (الصافات: 91)، وقوله أَجَعَلَ ٱلْـَٔالِهَةَ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌۭ (ص: 5)، فهو على المجاز، على ما عندهم

 إمَّا بحق التَّسمية لها أنَّها آلهة، وإمَّا بصرف العبادة إليها... ([9])”.

وكذلك تفسيره لقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُﱠ (الشعراء: 193)، وقوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (الحاقة:40)  وقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَﱠ (التوبة:6)، على المجاز، يقول: “ فهذا كلُّه على مجاز الكلام ليس على الحقيقة؛ فحقُ كلٍّ مِن ذلك أن يُصرفَ إلى ما إليه أوجه، وإلى ما يَستجيزُ الناس من التَّعامل فيما بينهم بذلك الكلام.

 (المبحث الثاني)

منهج الإمام الماتريدي في توظيف الكناية  في تفسيره

 

تُعدُّ (الكناية) أكثر المباحث البلاغية دورانًا في تفسير الإمام الماتريدي مقارنةً بباقي مباحث علم البيان (التشبيه، والاستعارة، والمجاز)، وهي تردُ عنده - غالبًا - في سياق تعدد المعنى القرآني، بوصفها أحد وجوه المعنى التي يجوز الحمل عليها؛ وهو ملمح استشرافي لدى الإمام أبي منصور الماتريدي في توجيه المعنى القرآني، فقد نرى تعدد وجوه المعنى للآية الواحدة بفضل تأويله المعنى على الكناية، وفي ذلك إشارة إلى التكوثر الدلالي للنَّص القرآني، ذلك التكوثر الذي يدل على سيرورة المعنى، وانعتاقه من أَسْرِ التموقع داخل الفضاءين الزماني، والمكاني لنزول النَّص القرآني، كما يدل على انفتاح النَّص القرآني على جميع السياقات الثقافية، والحضارية الممتدة بامتداد الحياة البشرية.

ومن أمثلة ذلك ما وردَ لديه في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (آل عمران: 106)، يقول: “ قد يُحتمَل أن يكون المراد من وصف البياض والسَّواد، ليس نفس البياض والسَّواد؛ ولكنّ البياض هو كناية عن شدَّة السُّرور والفرح، والسَّواد كناية عن شدَّة الحُزن والأسف؛ كقوله: وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ مُّسْفِرَةٌۭ ضَاحِكَةٌۭ مُّسْتَبْشِرَةٌۭ (عبس: 38 - 39)، ووصفُ وجوهِ أهل الجنَّة بالضَّحك، وليس على حقيقةِ الضَّحك؛ ولكن وصف بغاية السُّرور والفرح؛ وكذلك وجوه أهل النَّار وصفها بالغَبَر والقَتَر؛ وهو وصفٌ بشدة الحزن، والله أعلم([10])”.

وهكذا جاء حمله معنى البياض، والسواد في الآية المباركة على الكناية، له ما يسوغه من العقل، والنقل، على نحو ما استشهد به من آيات سورة عبس.

ومثله كذلك حمله المعنى على الكناية في قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَﱠ (التوبة: 82)، قوله: “يشبهُ أن يكون الضَّحك كناية عن الفرح والسُّرور، والبكاء كناية عن الحُزن؛ يقول: افرحوا وسروا قليلًا، وتحزنون في الآخرة طويلًا ويمكن أن يكون على حقيقة الضَّحك؛ لأنَّهم كانوا يضحكون ويستهزئون بالمؤمنين في الدُّنيا؛ يقول: ضَحَكُوا قليلًا؛ لأنَّ الدُّنيا قليلة تنقطع، ويبكون كثيرًا في الآخرة؛ لأنَّها لا تنقطع ([11])”.

فتأويله (البياض) على معنى الكناية عن السُّرور، وتأويله (السَّواد) على الكناية عن الحُزن، وتأويله (الضَّحك) على معنى الكناية عن الفرح والسَّرور، (البكاء) على معنى الكناية عن الحُزن، هو تأويل استشرافي يكشف عن دلالة المعنى القرآني عن المعاني الإنسانية العامة المتجاوزة لتموقع الزمان، والمكان، فجميع كناياته ليستْ خارج سيرورة الزَّمان، أو التَّجربة الإنسانيَّة، أو إدراك الوعي الجمعي والثَّقافي للمخاطَبين، الأمر الذي يمنحه سيرورة دائمًا عبر الزَّمان والمكان، وهو ما نلمحه في تأويلات الإمام الماتريدي الكنائية.

وهكذا تُعدُّ الكناية أحد وسائل توسيع المعنى لدى الإمام الماتريدي، فهو يجعل منها دليلًا على الإحاطة بكل المعاني الممكنة التي تجوز حمل المعنى القرآني عليها، على نحو ما نجد في تفسيره قوله الله تعالى: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (الأنعام: 89).

وتُعدُّ الكنايةُ أحد مرجِّحات المعنى عند الإمام الماتريدي؛ فقد يُعوِّلُ عليها في ترجيح معنًى على آخر، أو في ردٍّ تفسير، وقبول آخر، ومن ذلك ما ذكره في تفسير قوله تعالى:

وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (النحل: 94).

فتراه جعل الكناية في هذا الموضع من مرجِّحات المعنى في الآية المباركة، وقد دَلَّلَ على رأيه على نحو ما رأينا.

وقد تكون الكناية هي الوجه الوحيد للمعنى في بعض الآيات القرآنية لدى الإمام الماتريدي، وذلك على نحو ما قال به في تفسير قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (مريم: 40).

خاتمة

وبعد، فقد خلص البحث إلى مجموعة من النتائج، نذكر منها:

1- لم يكثر الإمام الماتريدي في تفسيره من الاعتماد على مباحث علم البلاغة؛ لأنَّ تفسيره لم يكن تفسيرًا بلاغيًّا؛ لأنَّه كان شاخصًا في تفسيره إلى العناية بمسائل العقيدة، والفقه أكثر من عنايته بمسائل اللُّغة والبلاغة، بوصفه إمام متكلمي أهل السُّنة في عصره. 

2- من أهم ملامح التفكير البلاغي لدى الإمام الماتريدي في تفسير، ما يأتي:

أ- إعمالُ العقل في تأويل كثير من آي النَّص القرآني؛ وهو بذلك يوسِّع مفهوم التَّقيد بالنَّص لدى أهل السُّنة، وهو توسُّعٌ خدمَ - في كثير من مواضعه- مسائل العقيدة التي استحوذتْ على النصيب الأوفر في تفسيره.

ب- جَاءَ حَمْلُه المعنى على المجاز في بعض الآي القرآني موافقًا لمذهبه السُّني في قضية الخلق، وعدم القول بالتشبيه، والتجسيم في الصفات، على نحو ما رأينا من حمله (خلق) عيسى، عليه السلام، للطير على المجاز، ونسبة القرآن إلى جبريل، عليه السلام على سبيل المجاز.

ج- دَلَّ توظيف الإمام الماتريدي لمبحث الكناية في تفسيره على سَعة أفقه التفسيري، وبُعده الاستشرافي المنسجم مع دلالات النَّص القرآني ذات السيرورة السياقية والتأويلية الممتدة.

د- دَلَّ توظيفه للكناية في تفسير بعض الآي القرآنية على توسيعه للمعنى القرآني، والخروج به عن التموقع داخل الفضاءين الزماني والمكاني لنزول القرآن الكريم، وهو ما يدل على انفتاح النَّص القرآني على جميع السياقات الثقافية، والحضارية الممتدة بامتداد الحياة البشرية.

ه- مِثَّلتِ الكناية لدى الإمام الماتريدي أحد مرجِّحات المعنى في تفسيره، فقد عَوَّل عليها -أحيانًا- في ترجيح معنًى على آخر، أو في رد تفسير، وقبول آخر.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

 الحربي، أحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي: الماتريدية دراسة وتقويما، دار العاصمة، ط1، 1413ه.

الخطَّابي، أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُستي: بيان إعجاز القرآن، مطبوع ضمن: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، سلسلة: ذخائر العرب (16)، تحقيق: محمد خلف الله، محمد زغلول سلام، دار المعارف بمصر، ط3، 1976م.

السَّكاكي، أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي: مِفتاح العلوم، ضبطه وكتب هوامشه وعلق عليه: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1407 هـ - 1987 م.

ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن عاشور: التحرير والتنوير، الدَّار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

الماتريدي، أبو منصور محمد بن محمد بن محمود: تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة)، تحقيق: مجدي باسلوم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1426 هـ - 2005 م.

 

 


 

[1] من مقدمة د. مجدي باسوم في تحقيقه لتفسير الماتريدي: راجع: الماتريدي، أبو منصور محمد بن محمد بن محمود: تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة)، تحقيق: مجدي باسلوم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1426 هـ - 2005 م، 1/76.

 

[2]  راجع: الحربي، أحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي: الماتريدية دراسة وتقويما: ، دار العاصمة، ط1، 1413ه، ص 100- 103.

 

[3]  راجع: المصدر السابق، ص104- 108.

 

[4] راجع: الخطَّابي، أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُستي: بيان إعجاز القرآن، مطبوع ضمن: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، سلسلة: ذخائر العرب (16)، تحقيق: محمد خلف الله، محمد زغلول سلام، دار المعارف بمصر، ط3، 1976م، ص 24.

 

[5] 2- السَّكاكي، أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي: مِفتاح العلوم، ضبطه وكتب هوامشه وعلق عليه: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1407 هـ - 1987 م، ص 416.

 

[6] 3- ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن عاشور: التحرير والتنوير، الدَّار التونسية للنشر، تونس، 1984م 1/129. 

 

[7] راجع: الماتريدي، أبو منصور محمد بن محمد بن محمود: تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة)، تحقيق: مجدي باسلوم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1426 هـ - 2005 م، 1/328.

 

[8] راجع: المصدر السابق، 1/337.

 

[9] راجع: المصدر السابق، 6/468.

 

[10] المصدر السابق ، 2/451، 452.

 

[11] المصدر السابق ، 5/439.

 

معلومات إضافية

المنهج الماتريدي وتحصين الشّباب من التغرُّب
د. محمد جنيد بن محمد نوري الديرشويأستاذ مشارك في تخصّص الفقه الإسلامي وأصولهأكاديمية بلغار الإسلامية، تتارستان- روسيا الاتحادية بسم الله...
أثر العولمة على القيم والأخلاق
د. محمد أمين على محمد عيسىمدرس العقيدة والفلسفةجامعة نور مبارك كازاخستان- سابقاًالقاهرة الحمد لله رب العالمين حمدا لا يبلغ العدّ...
منهج الإمام الماتريدي في آيات الصفات من خلال تفسيره
الدكتور سيف بن علي العصريأستاذ علم الكلام والفقه والقضايا المعاصرة في أكاديمية بلغار الإسلامية الحمد لله المنفرد بالكمالات، المتصف بجميل...

ترك التعليق

ملاحظات

التواصل الاجتماعي

اتصال

هاتف:
بريد إلكتروني:
العنوان:
©2024 All Rights Reserved. This template is made with by Cherry